القاضي عبد الجبار الهمذاني

257

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإذا صح في المعلوم بالدليل ما ذكرناه ، فغير ممتنع مثله في المعلوم بالإدراك ، فكأنا عند الإدراك نعلمه على الحال التي لكونه عليها ندرك بنفس المحل في المحل ؛ ثم إن كنا مشتهين له التذذنا به ، وإن كنا نافرى الطبع عنه ألمنا به ، وإن خلونا من الحالتين أدركناه على الوجه الّذي ذكرنا ، وعلمناه على الجملة ، وإن كنا لم نلتذ به ولم نألم . وكل ذلك يبين فساد ما أورده السائل ، وأنه يوصل بما أورده إلى نفى المدركات . فإن قال : لو كان الألم معنى سوى بطلان الصحة ، وكان جنسا واحدا ، لوجب أن لا يصح متى اشتهى بعضه ، أن يكون نافر الطبع عن بعض آخر ، كما لا / يصح فيمن يشتهى الحلاوة أو الحموضة ذلك ؛ ولو كان كذلك لم يصح أن يألم بالحادث منه في عضو ويلتذ بما يحدث في عضو آخر . وقد علمنا صحة ذلك ، فيجب نفى كونه معنى أصلا ، وأن يقال : إنما يألم به من حيث انتفت صحته به ؛ فكل تفريق يقع به هذا المعنى يألم به من غير علة يصير ألما لأجلها . قيل له : إن الّذي ذكرته في الشهوة ليس بواجب عندنا ، لأنه كما يصح أن يشتهى الحامض على حدته والحلو كمثل ، فقد يشتهى المر ؛ لأن الشهوة كما تتعلق بالجنس ، فقد تتعلق بضرب من الجنس ؛ وكما تتعلق بمفرد الطعم ، فقد تتعلق بممتزجه ، وإن كان يجب أن لا تختص في التعلق على الوجه الّذي تعلم عليه : لأنها تتعلق بعين مخصوصة ؛ بل تتعلق بصفة معلومة تستغرقها . ولذلك يصح أن يشتهى الواحد منا المرارة ، وربما اشتهى ما الغالب فيه الحموضة أو الغالب فيه الحلاوة ، وربما اشتهى حلاوة مفرطة ، وربما اشتهاها